صديق الحسيني القنوجي البخاري
93
فتح البيان في مقاصد القرآن
قانِتاً لِلَّهِ أي مطيعا له قائما بأوامره . قال ابن مسعود : هو الذي يطيع اللّه ورسوله . وعن ابن عباس قال : كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره فذلك ما قاله اللّه كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ . وعن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « ما من عبد تشهد له أمة إلا قبل اللّه شهادتهم ، والأمة الرجل فما فوقه ، إن اللّه يقول إن إبراهيم كان أمة » أخرجه ابن مردويه وقد تقدم معنى القنوت في البقرة . حَنِيفاً الحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق ، أي مسلما مقيما على دين الإسلام وقد تقدم بيانه في الأنعام وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ باللّه كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل ، بل كان من الموحدين المخلصين للّه تعالى من صغره إلى كبره . شاكِراً لِأَنْعُمِهِ التي أنعم اللّه بها عليه وإن كانت قليلة ، كما يدل عليه جمع القلة ، فهو شاكر لما كثر منها بالأولى اجْتَباهُ أي اختاره للنبوة واختصه بها وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو ملة الإسلام ودين الحق . وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي خصلة حسنة أو حالة حسنة ، قيل هي الولد الصالح وقيل الثناء الجميل وقيل النبوة وقيل الصلاة منا عليه في التشهد ، وقيل لسان الصدق وقيل القبول العام في جميع الأمم فإنه يتولاه جميع أهل الأديان ويثنون عليه ولا يكفر به أحد ورزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة ، ولا مانع أن يكون ما آتاه اللّه شاملا لذلك كله ولما عداه من خصال الخير ، وفيه التفات عن الغيبة ونكتة الالتفات زيادة الاعتناء بشأنه عليه السلام . وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي في أعلى مقاماتهم في الجنة ، وقيل من بمعنى مع ، وهذا حسبما وقع منه السؤال لربه حيث قال وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [ الشعراء : 83 - 85 ] اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن يصدق عليه هذا الدعاء وإني من ذرية خليلك إبراهيم وما ذلك عليك بعزيز وآتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقني عذاب النار إنك أنت التواب الرحيم . وحاصل ما ذكر من الصفات هنا تسعة بل عشرة إذ قوله سبحانه ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد مع علو درجتك وسمو منزلتك وكونك سيد ولد آدم يرجع لوصف إبراهيم وتعظيمه بأن محمدا أمر باتباعه أَنِ مفسرة أو مصدرية اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي دينه وأصل الملة اسم لما شرعه اللّه لعباده على لسان نبي من أنبيائه من أمللت الكتاب إذا أمليته وهو الدين بعينه ، لكن باعتبار الطاعة له وتحقيق ذلك أن الوضع